عبد الشافى محمد عبد اللطيف

345

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

ولقد حاولت الدولة العباسية انتزاع الأندلس من عبد الرحمن الداخل - وهذا أحد ألقابه - ولكنها فشلت « 1 » . مما جعل خصمه الخطير أبا جعفر المنصور يلقبه بصقر قريش ويثني عليه ، والفضل ما شهدت به الأعداء . فقد جاء في الأخبار أن أبا جعفر المنصور قال لجلسائه يوما : « أخبروني ، من صقر قريش ؟ قالوا : أمير المؤمنين - يقصدونه هو - الذي راض الملك ، وسكّن الزلازل ، وحسم الأدواء ، وأباد الأعداء ، فقال : ما صنعتم شيئا ، قالوا : فمعاوية ؟ قال : ولا هذا ، قالوا : فعبد الملك بن مروان ؟ قال : ولا هذا ، قالوا : فمن يا أمير المؤمنين ؟ قال : عبد الرحمن بن معاوية ، الذي عبر البحر ، وقطع القفر ، ودخل بلدا أعجميّا مفردا . فمصّر الأمصار ، وجنّد الأجناد ، ودوّن الدواوين ، وأقام ملكا بعد انقطاعه ، بحسن تدبيره ، وشدة شكيمته ، إن معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان ، وذللا له صعبه ، وعبد الملك بن مروان ببيعة تقدم له عقدها ، وأمير المؤمنين - يقصد نفسه - بطلب عشيرته ، واجتماع شيعته ، وعبد الرحمن منفرد بنفسه ، مؤيد برأيه ، مستصحب لعزمه » « 2 » . وقد حظيت الدولة الأموية في الأندلس بعدد لا بأس به من الأمراء الأقوياء الذين وطدوا أركانها ، وطوروا أجهزتها ، وواجهوا بشجاعة وجرأة كبيرة الفتن والاضطرابات والثورات الداخلية ، وهي كثيرة وأثار بعضها ضدهم بعض أبناء البيت الأموي أنفسهم ، كما ردّوا كيد أعدائها الخارجيين ، فالأمراء الأربعة الأول وهم عبد الرحمن الداخل ( 138 - 172 ه / 756 - 788 م ) وابنه هشام ( 172 - 180 ه / 788 - 797 م ) وحفيده الحكم بن هشام ( 180 - 206 ه / 797 - 822 م ) وابنه عبد الرحمن بن الحكم ( 206 - 238 ه / 822 - 852 م ) الذين حكموا قرنا كاملا من الزمان ، كانوا رجال دولة أكفاء ، بلغت الدولة في عهودهم مبلغا عظيما من القوة والازدهار ، وحققت لنفسها هيبة في غرب أوروبا في عيون أعدائها ، وأضحى بلاط قرطبة يضاهي بلاط بغداد في القوة والأبهة والفخامة والهيبة والنفوذ « 3 » .

--> ( 1 ) راجع ابن الأثير - الكامل ( 5 / 575 ) . ( 2 ) راجع ابن عبد ربه - العقد الفريد ، مكتبة النهضة المصرية - القاهرة ( 1962 م ) ، ( 4 / 388 ) . ( 3 ) راجع محمد عبد اللّه عنان - دولة الإسلام في الأندلس ، مرجع سابق ( 2 / 682 ) .